القائمة السريعة
Info توجيه سؤال
البحث المتقدم ابحث الموسوعة
ملامح الإطار الفكري للمشروع الوطني السوداني - الأستاذ محمد الجيلاني
الكاتب: Omer Alfahal الرقم المرجعي: AA-01890 مشاهدات: 151 أنشيء: 2023-01-02 06:58 PM آخر تحديث: 2023-01-02 07:05 PM 35 التقدير/ 1 الأصوات

ملامح الإطار الفكري للمشروع الوطني السوداني


مشاركة الأستاذ محمد الجيلاني ضمن ندوة نظمتها جامعة المغتربين حول ملامح وأسس المشروع الوطني السوداني بتاريخ 13 فبراير 2022



تشتد الحاجة لإطار فكري شامل يجتمع حوله السودانيون من أجل تغيير واقعهم سعياً نحو التوافق على منهج للتغيير يرتضونه ويعكس واقع الحياة السودانية وأشواق السودانيين نحو مستقبل أفضل.


معظم المفكرين السودانيين تحدثوا عن المشروع الوطني باعتباره مُعَرَّفاً سلفاً ومرغوباً فيه. لكنهم لم يضعوا له تعريفاً فلسفياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو فكرياً. ولذا نجد أنفسنا مضطرين لتعريف هذا المشروع – ولو إجرائياً – لنتمكن من الحوار حول هذا التعريف توسعة وقبولاً أو رفضاً مع طرح البديل المنطقي المغاير.

 

يمكننا أن نعرف المشروع الوطني بأنه خلاصة الخطاب الذي يضع تصورات لنظم الحياة في السودان من قانون ومعاملات وتعليم واقتصاد وأمن مجتمعي وانفتاح على العالم وغيرذلك مستخلصاً بواسطة عقول سودانية تم الاشتغال عليها لتصبح عقولاً ناضجة ومكتملة تسقط منها التأثيرات التاريخية المتعلقة بالاستعمار وتأثيرات الاستلاب بواسطة المدارس الأخرى الفلسفية أو الفكرية الدخيلة على مجتمعاتنا لتصبح هذه العقول مستقلة ومرتبطة بالأرض وبالإنسان السوداني وتستطيع أن تستنبط من واقعها كيفية إيجاد الاقتصاد الوطني والتعليم الوطني والقانون الوطني وغير ذلك من أنماط الحياة الحديثة.

 

فالقانون الوطني السوداني على سبيل المثال هو مجموعة القواعد والتشريعات والنظم التي تحكم حياة الشعب السوداني وتنظم معاملاته وعلاقاته وطريقة حياته وتكون مستخلصة بواسطة عقول سودانية ناضجة مستقلة عن التأثيرات الخارجية والتدخلات الأجنبية وغير مستلبة. فالسودان يذخر بالكثير من الأمثلة المغروسة في مجتمعه والتي تمثل قواعد التعامل وكيفية الحكم على ما يرغب السودانيون فيه وما لا يرغبون.

 

فمن دواعي المشروع الوطني إضافة إلى كونه مستخلص عقلي سوداني محض لوضع التصورات لحياة السودانيين داخل أرضهم ومجتمعهم بعد أن بلغ السودانيون مرحلة عالية من الصراع المدمر والجدل السلبي حول واقعهم المتردي وانبرت كل مجموعة ذات هوية ثقافية مناطقية أو محلية لتجادل المجموعات الأخرى ذوات الثقافة المناطقية المغايرة مدعية أحقية سيادة مجموعتها وتَزَعُّمها وسيطرة ثقافتها على الثقافات الأخرى في الرقعة السودانية ورفض الثقافات الأخرى التي تشكل في جملتها عنصر ثراء وقوة للهوية السودانية الموحدة حتى بلغت هذه المجموعات المتنافرة مرحلة الاحتراب، ومن الملاحظ أن هذا الجدل يتصاعد سجالاً لم تتمكن المجموعات المتنافرة من تحويله إلى جدل منطقي إيجابي يصعد بالسودانيين جميعهم نحو التوافق الوطني والهوية الموحدة ويؤدي إلى انتقال نوعي في التفكير الوطني وقبول المختلف والمتنوع. وبالتالي فمن الدواعي والمطلوبات الضرورية خلال هذه المرحلة طرح المشروع الوطني الذي يتمكن من بناء العقل السوداني الجمعي الإيجابي ويحول هذا الصراع العدمي الدائم حول المصادر الثقافية والاجتماعية من حالة الصراع المدمر لحالة التنافس الإيجابي الذي يؤدي للتطور الطبيعي.

 

ولهذا فإن داعي المشروع الوطني السوداني هو داعي الوجود السوداني أو عدمه، والكيان السوداني أو زواله، فوجودنا مرهون بالمعرفة والقناعة بهويتنا وكياننا السوداني فإذا لم يتحقق ذلك تفكك الوطن واندثر لتتم وراثته بواسطة الطامعين من جيرانه أو أعدائه أياً سبق. فالتاريخ يقول إن كل جماعة لم تتمكن من تنظيم حياتها بالتوافق تسقط في دوامة الصراع والفوضى اللذين يؤديان إلى الضعف أو التفكك ثم زوال هذه الجماعة وذوبانها في المجتمعات الأخرى المجاورة أو المنافسة. فخلاصة الأمر أن المشروع الوطني يحافظ على وجودنا وتطورنا وبالمقابل فإن خلو حياتنا من المشروع الوطني يؤدي إلى حتمية زوال هذا الوجود إن لم يكن اليوم فغداً.

 

وقد حاول السابقون من المفكرين السودانيين خلال العقود القليلة الماضية التأطير لهذا المشروع في أولى أيام تكون الدولة السودانية المعاصرة بعد الاستقلال حينما كتب الأستاذ محمد احمد المحجوب حول (إلى أين يتجه الفكر السوداني؟) وكتب حمزة الملك طمبل وأحمد خير المحامي ومحمد عمر بشير وزين العابدين الهندي وحسن نجيلة وغيرهم كثيرون، كتبوا عن أشواقهم لكيفية الوصول إلى مشروع مشترك بين السودانيين لاستخلاص نظم حياة متسقة ومتفق عليها تسهم في تنمية البيئة السودانية والإنسان السوداني. لكنهم وبالرغم من اجتهادهم لم تسعفهم التعريفات الدقيقة المنضبطة للتأطير لهذا المشروع الوطني ومنهجته وذلك يعود إلى أن تأثير الأيديولوجيا والصراع الحزبي لم ينتج عنه أفق رحب أوأجواء نظيفة للرؤية حول أين وصلنا بهذه التصورات فقد اصطفت كل فئة حزبية أو آيديولوجية أو مكانية حول مجموعتها الثقافية والفكرية لتدافع عنها باستماتة (راجع كتاب د. عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن:  الشخصية السودانية – المكونات والمؤثرات والسمات "محاولة في النقد الذاتي")[1]

فالمشروع الوطني مشروع مطروح للتفاكر بواسطة المفكرين السودانيين يضع أسئلة حول تصورات للحياة السودانية وكيف نتحد وما هي سبل الخروج من وهدة التخلف نحو ذرى التقدم.

 

ما هي الأسس الضرورية لقيام هذا المشروع ونجاحه؟


الأس الأول: اكتشاف وتأسيس العقل الوطني السوداني

نذكر من ضمن هذه الأسس أن هذا العقل الوطني ينبغي أن يتم التعامل معه بتشريح دقيق ذلك لأن العقل هو آلة المفاهيم التي تنتج التصورات وهذا أمر متفق عليه بين الفلاسفة والحكماء وغيرهم فهو حافظة المعلومات ومصدر الإدراك والتكليف وغيره، ويتم عبره استخلاص واستنباط الأفكار، ولذلك فمن الممكن أن يكون العقل مستلباً أو يحمل تصورات تحجبه عن أن يعمل بشكل فاعل. وبالفعل فهناك بعض الدراسات التي أجريت على العقل السوداني كشفت أنه عن طريق مناهج التربية والتعليم الموضوعة بواسطة المستعمر تم قطع علاقة العقل السوداني بالمكان (يلاحظ أن السودانيين هم من أكثر الشعوب محبة للهجرة، ومن أكثرهم اعتماداً على أفكار الآخرين وعلاقتهم بالأرض هي علاقة مودة وليست علاقة معرفة، وهذا يفسر أيضاً عدم تقدم السودانيين في عصرنا هذا داخل وطنهم في مجال العلوم الطبيعية: علوم الأرض والبحار والفضاء وغيرها من العلوم وعدم قدرتهم على أن ينتجوا فيها أو يبدعوا وذلك يعود إلى أنه تم فصل العقل السوداني عن جغرافية السودان وهي مسألة قديمة تعود إلى الأجيال السابقة من آبائنا وأجدادنا الذين ارتضوا الهجرة والاغتراب عن الوطن وامتهان مهن وحرف ليست بذات قيمة كبيرة وتعكس المستوى الفكري لشعب السودان وبعضهم امتهن الجندية مقاتلاً في جيوش كثيرة في العالم تحت إمرة غيره من الشعوب وذلك بعد أن كان هذا العقل في السابق عقلاً قائداً ومجتمِعا وعقلاً مكانياً أنتج الكثير من الآلات والأدوات المساعدة على تيسير العيش والحياة الرغدة في زمانه مثلما أنتج نظم حياة كاملة في وقتها فقد أنتج مجموعات من الأعراف والقوانين والنظم مثلما أنتج الآلات مثل الساقية والواسوق والأرْبِل) وقد اتضح أن هذا العقل خلال بعض مراحل التعليم وبشكل متعمد ومقصود (وستجدون أمثلة لهذا في الورقة الساسية التي أنتج بها محي الدين صابر تخطيط نظام التعليم والورقة محفوظة في الآيسيسكو) فقد كتب ما معناه: يجب إنشاء تعليم في السودان يؤسس الإنسان على حمولة قيم مناهضة للغرب ويجب أن نأخذها من الحضارة العربية (الكوفة أو البصرة) "ومعلوم أن الحضارة العربية قد تعرضت للكثير من التشظي خلال تاريخها فنشأت المدارس الفكرية خلال العهود الأموية والعباسية الخ

وقد أشار محي الدين صابر في مقدمته إلى أن الاستعمار حينما أتى لم يستهدف المكان والأرض وإنما استهدف تغيير القيم المتجهة نحو تأسيس حياة الإنسان وبالتالي يجب إنشاء وتأسيس الإنسان نظرياً على مجموعة قيم مناهضة للمشروع الغربي ومرتبطة في تلك الفترة بحضارة ومدارس فكرية آفلة سواء كانت مدرسة الكوفة أو البصرة. وهذا الأمر أدى إلى شقاق مع المكان ليس في مجرد الشعور بأننا لا نمتلكه بل نحن نمتلكه ونحبه جداً لكننا لم ننتج جرَّاء هذا الانتماء الشعوري إنتاجاً معرفياً وثقافة ففشلنا في تطوير علاقتنا النظرية والعملية) فأكثر من 60% من شعب السودان مزارعون أو ينتمون إلى أسر مزارعين ظلوا يزرعون الأرض عشرات إن لم يكن مئات السنين لكننا توقفنا عن تطوير الآلة التي اخترعها آباؤنا (الساقية والأربل والواسوق) ورجعنا إلى بدائية شديدة في علاقتنا مع الأرض وذلك يعود إلى أنه على المستوى النظري انفصل الإنسان عن الأرض وأصبح يتعامل معها باعتبارها مسرحاً فقط وليس باعتبارها واعتباره جزءاً من التفاعلات التي تنتج بنية الحياة فوق هذه الأرض مادياً أو قيمياً أو انتظام سياسي. لكن ما تزال هناك بقايا للثقافة السودانية الموروثة تحمل في جيناتها مشروعاً للنماء من جديد. من قبلنا لم يبحثوا حول عناصر انتاج الثقافة السودانية إضافة إلى أن هناك مجموعة من المؤثرات على الشخصية فداخل الشخصة السودانية هناك تأثيرات على  العقل والتصورات والمفاهيم إضافة إلى البيئة والتنشئة والثقافة واللغة إلا أن طريقة التفكير للشخصية السودانية محتاجة لفحص عميق.

 

الأس الثاني للمشروع الوطني:  اكتشاف الأزمنة الثقافية

ثاني هذه الأسس هو اكتشاف الأزمنة الثقافية في الوطن وهي أن نضبط الموضوعات التي يجب أن نفكر فيها ومادة البحث حول المشروع الوطني وهذا الأس لم يتم تحديده بشكل دقيق حتى اليوم ويمكننا أن نطلق على هذه المرحلة مسمى (أزمة أوضياع تسمية الأزمنة الثقافية) فالأزمنة الثقافية لها علاقة وارتباط بالوطن حيث تحدد انتماءنا لفئة من الفئات هل نحن زراع أم رعاة أم صيادون أم علميون أم منجمون فلكيون أم ما هو التصنيف الذي ننتمي إليه وكم بيئة لدينا في السودان تنتمي إليها هذه الفئات ونستند عليها لاستخلاص نظام حياتنا بالتفاعل مع هذه الفئات والتصنيفات وهي مسألة لا جدال حول أهميتها لكن المشكلة تكمن في عدم إيلائها العناية والاهتمام اللائقين بها ويمكن أن نطلق عليها (ضابط الثقافات المتعددة في السودان). الدراسات تشير إلى أنه توجد في السودان أكثر من خمسمائة وبضعة وتسعين قبيلة وأكثر من مائة لغة وأكثر من تصور لطرق وسبل العيش فلو قلنا إن اللغات والتصورات والثقافات تأتي مع التفاعل مع الأمكنة المتمثلة في أربع بيئات سافنا فقيرة وسافنا غنية وغيرها فلو تعامل معها الإنسان فإلى أي درجة يمكن أن ينتج نوعاً من التعدد الهائل الذي يتوافر في السودان. هذا التعدد والتنوع مدهش لدرجة أن الناس يعتقدون أنه نوع من الإبداع ومن الممكن الاستفادة منه إيجاباً لكننا لو رجعنا للتكوين التاريخي في السودان فسنجد أن مجموعة المهاجرين إلى المكان قد وفدوا بثقافاتهم أيضاً وهي ثقافات تشكلت في أمكنة أخرى، وحيث أنه ليس لدينا (حتى اليوم) زمن ثقافي يضبط تعاملاتنا فقد عجزنا عن ضبط هذه الثقافات للتحول إلى ثقافة سودانيةن فقد بقينا نقبلها كما هي ونعتبرها إضافة تثري الثقافة السودانية. ونظراً لوجود فجوة معرفية في تحديد الزمن الثقافي السوداني فقد أصبحنا نتقبل كل مقولة ثقافية وافدة للمكان ونقول إن لدينا (تسامح) وفي واقعالأمر هو ليس تسامحاً بل هو إشكال يدخلنا في صراع ثقافي غريب.

من أمثلة تحديد الزمن الثقافي هي أن 65% من السودانيين مزارعون بينما القانون الذي يتم التعامل به مالياً هو قانون تجاري فعلى سبيل المثال يعتبر الصك (الشيك) مستنداً مالياً للضمان والإخلال بالواجب تجاهه يعتبر جريمة فهل يتعامل المزارع مع الشيك باعتباره منقولاً؟ فالزمن التجاري يعتبر الشيك (منقولاً) إما أن تبيعه لتسد الدين وتوفي بالتزامك المالي أو تعيده ما يقابله وتستعيد الشيك. ومعلوم أن نسبة المغامرة في العملية الزراعية لا تنضبط بنفس ضوابط الصكوك والشيكات ولا عن طريق آليات ضبط (الزمن التجاري) ولهذا فإننا نحتاج أن يكون لدينا (زمن زراعي) فضبط زمننا الثقافي بكونه (زمناً زراعياً) فهذا من شأنه أن يدعو إلى تغيير القوانين ومناهج التعليم والسياسة والإعلام وغيرها. فلدينا الآن  فجوة واضحة في دولتنا الحديثة فالمشرع التعليمي عاجز اليوم عن ابتداع نظام تعليم مرتبط بأزمنتنا الثقافية والقانوني عاجز عن ابتداع نظام تشريعي قانوني مرتبط بأزمنتنا الثقافية. وحتى في مجال الاقتصاد فالنظريات الاقتصادية المستوردة والموروثة عاجزة عن حل إشكالية الاقتصاد السودانين فعلى سبيل المثال المجموعة اليسارية بتعريفاتها للاقتصاد عجزت عن حل إشكال الاقتصاد في السودان وبالمقابل فالرأسمالية هي أيضاً عاجزة عن حل إشكالية الاقتصاد السوداني فكلما قدموا حلاً لمشكلة تتولد مشكلات أخرى ناتجة عن هذه الحلول والسبب بسيط هو عدم وجود علم اقتصاد (وطني) يحدد ويعرف الإشكال ويحلل السبب الجذري للمشكلة الاقتصادية. فالإشكال لدينا هو إشكال (وفرة) فلدينا أيدي عاملة كثيرة وأراضي خصبة واسعة لكننا نتعامل مع هذه الوفرة بمفهوم آخر هو مفهوم (إدارة الصراع) حول هذه الموارد وليس مفهوم تشغيلها واستغلالها ومعلوم أن النظريات الاقتصادية العالمية تقوم على مفهوم (الصراع) حول الموارد ومثلما أن النظرية اليمينية تقوم على مبدأ (الحرية) والنظرية الإسلامية تقوم على  تغليب أحد المفهومين (الصراع – الحرية) كيفما اتفق وذلك لأن تأطير نظريات نشأة علم الاقتصاد الإسلامي هو علم حديث لم ينضج بمستوى دقة نظريات ماركس وغيره من الفكر اليساري وإن كان أمثال باقر الصدر وعيسى عبده قد سبقوا فكتبوا حول هذا الأمر. وخلاصة ما يهمنا حول هذا الأمر هو أن النظرية الوطنية في الاقتصاد يمكن نتلخيصها في يلي وهو أن لدينا شعباً وموارد ويبقى تأطير وتوصيف العلاقة بين هذين الموردين (الشعب والموارد) كيف تتم وبأي صيغة ليكون لدينا (علم اقتصاد وطني سوداني) وذلك بدراسة وتحليل عناصر الإنتاج المحلي وكيفية إدارتها وتوظيفها وتوزيعها وتطويرها وصيانتها. وقد عجزناحتى اليوم عن الوصول لصيغة هذه المعادلة. عجزنا أن نقول إن مشكلة الاقتصاد السوداني هي تعطيل الموارد فقد عجزنا أن نوجد لها صيغة لتعمل معاً (الشعب والموارد). والسبب في تقديرنا هو أن السودانيين يتعاملون مع الموارد من منظور وأفق (الصراع) فقط هو صراع عدمي. والمدهش هو أن هناك موارد كثيرة غير مملوكة لأي جهة (شعبية أو حكومية) بينما توجد نسبة كبيرة من الأيدي العاطلة التي لا تتوفر لها أسباب الامتلاك ولا الانتاج. ولا يوجد لدينا نظام معرفي يربط الأيدي العاملة بالموارد وعناصر الإنتاج وهذا يعود لوجود الفجوة المتمثلة في عدم امتلاكنا لزمننا الثقافي وعدم قدرتنا على الوصول للنظريات التي تتولى تسيير حياتنا الاقتصادية.

 

الأس الثالث للمشروع الوطني:  تحليل الشخصية السودانية وما أنجزته

من بين المناهج العلمية التحليلية المعروفة مثل

المنهج التاريخي والمنهج الوصفي والمنهج التجريبي والمنهج المقارن والمنهج الاستقرائي والاستنباطي الخ نجد أن هناك مناهج بدائية مسيطرة على حياتنا بكشل كبيرمثل منهج العلوم الخبرانية (من الخبرة المكتسبة) ومنهج الاستلاف من الآخر فتجد أن الطالب يدرس مناهج العلوم البحتة والطب الحديث لكنه بالمقابل يؤمن ويعتمد العلوم (الخبرانية) أي بما يختبره في حياته فهو يؤمن بالدجل ويخاف من الظلام ولو أرجعنا هذه المعتقدات للعلم الحديث فسوف نجد لها تفسيرات كونيةن لكن السوداني على المستوى النفسي لم يقم بتشغيل وتوظيف المناهج العلمية الدقيقة في حياته اليومية لكنه اعتمد المناهج التي ورثها من مجتمعه الثقافي وبيئته المحيطة (انظر مسألة الأمثال الشعبية الرائجة وتأثيرها على حياة الناس).

 

هذا الأس هو من الأهمية بمكان والمتثمل في اختيار المناهج وتفعيلها وضبطها بصرامة علمية والإجابة عن السؤال: هل يجوز لنا في الزمن الحديث اعتماد المناهج الخبرانية الموروثة (والتي أفادت الإنسان في مراحل سابقة وأكسبته خبرة) لكننا شهدنا في زماننا هذا توظيفاً كبيراً للمناهج العلمية الحديثة لبناء الشخصية بشكل مختلف يعتمد الكثير من النظريات المتعلقة بعلم السلوك الإنساني والعلوم التطبيقية الأخرى المتعلقة بالاجتماع والإنسان.

 

هذه الأسس الثلاثة لازمة للمشروع الوطني السوداني: بناء العقل، وضبط الزمن الثقافي والاهتمام بالمناهج والشخصية الموروثة حالياً من الأزمنة السابقة وكيفية إعادة تحليلها واكتشافها وتغييرها.

 

هناك موضوع آخر يتطلب منا الجرأة وهو تصنيف ما هو (وطني) وما هو (لا وطني)، وكيف نتمكن من تحديد هذا الأمر. فعلى سبيل المثال المقاييس التي نقيس بها العمل ضد الوطن هي مقاييس (قوة وعنف) فقطن فعلى سبيل المثال لو قمت بعمل مضاد للقوات المسلحة أو الجيش فأنت (لا وطني) أو (ضد الوطن) أو لو قمت بعمل ضد (الحكومة) فأنت لا وطني أو ضد الوطن ولا يوجد معيار مشترك بين المواطن والجيش أو المواطن والحكومة تحدد معايير الفعل أو القول التي يقف عندها الأمر ليتحول من (وطني) إلى (لا وطني).

 

لكن يمكن أن نلخص القول في المعايير الوطنية في أن الفعل والقول يجب أن يكون لهما علاقة بوحدة الشعب والحكومات معاً أي توحيد الجميع وأن الفعل والقول كلاهما يصدر من هذه الوحدة وبهذا فكل فعل أو قول لا يؤدي إلى وحدة الإنسان أو المكان أو الأفكار أو الشعب وحكامه وقواته فهو فعل (لا وطني) ومن الممكن أن يصل في مرحلة العنف إلى درجة (الخيانة الوطنية) وهذا يشمل الأداء المعرفي عند المفكرين والكتاب ويشمل الأداءات الجمالية عند الإعلاميين والفنانين والمؤدين والشعراء والأدباء من كتاب الرواية والقصة والنقد غيرهم فهؤلاء جميعاً يجب أن ينضبطوا بعوامل وبمعايير وطنية للفعل الجمالي ومعايير وطنية للفعل المعرفي. لا بد من ضبط المسائل.

المعيار الثاني الذي يحتاج للمزيد من الإضافات هو معيار تنمية الأفعال والأقوال والمكونات فعنصر الوحدة وعنصر التنمية هما عنصران مهمان في أن يكون الحكم على هذا القول (وطني) أو (لا وطني) فكل ما هو ضد تنمية الإنسان والأرض والمعرفة فهو فعل (لا وطني) وكل ما هو ضد توحيد القول والفعل اتساقاً فهو (لا وطني) فهذان معياران أساسيان ينبغي مراجعتهما والاهتمام بهما وفي الحقيقة لم يقل بهذين العنصرين من سبقنا من المفكرين الذي تناولوا هذه القضايا لأن الضبط الحقيقي والمعرفي لمشروع وطني لم ينطلق حينها من أسس محددة معرَّفة.

عدم وجود المشروع الوطني هو الوصمة والفجوة التي لم نتخلص منها جميعنا وعبر تاريخنا الحديث كله. فنحن مسؤولون عن إبدال العقل الاستعماري بعقل وطني وذلك لوضع تصورات وطنية لبناء دولتنا وهذا يمثل الاستقلال الحقيقي وهذا لم يتحقق حتى اليوم. فحتى اليوم توجد لدينا أحزاب تقوم على الآيديولوجيا فقط ولا تملك مفكرين يستخلصون لها نظماً سياسية ولا باحثون يستخلصون نظمها بطرق معرفية. تصوروا حزباً كاملاً يقوم على فلاسفة أموات أو يعيشون خارج الوطن ولدينا كم هائل من الطوائف والقبائل تقع جميعها داخل الفجوة المعرفية المتمثلة في إيجاد مشروع وطني كفلسفة وطنية وهذا الأمر يقع على عاتق الجميع بأن يكون لديهم استقلال في التصورات حول كيف يبنى الوطن وهي ليست مسئولية فرد واحد بل هي مسئولية جماعية ومجتمعية لوضع خط مشروع سوداني مشترك بين الجميع لبداية النهضة السودانية. وبالتالي يكون هو الفلسفة الوطنية التي يجب أن تُكتشف لنكون مثل بقية الشعوب.

 

مخرجات هذا المشروع تؤثر بالضرورة تأثيراً مباشراً على حياتنا وتتولى حل الإشكالات القائمة والقادمة، فالواقع اليوم هو أن لدينا مجموعة أحزاب مأزومة يتاح لها الحكم فتحكم لتفشل وتنقلب عليها القوات المسلحة لتحكم فتفشل وتأتي الأحزاب ونستمر في دوامة توالي وتعاقب هذين العنصرين بلا انتهاء وذلك نظراً لوجود هذه الفجوة وذلك حتى جاءت ثورة الشباب وحركتهم التي ما تزال تبحث في فضاء ما بعد الأحزاب وما بعد القوات المسلحة وهذه المسألة ينبغي للقوات المسلحة أن تفهمها فلا تعتبر أن هؤلاء الشباب (ضده) أو أنهم غير وطنيين وذلك لأن القوات المسلحة هي أيضاً مؤسسة في لحظة تاريخية محددة وفيها فجوة معرفية فيما يتعلق بالتنمية ففي السابق أتيح للقوات المسلحة أن تحكم في شخص المشير جعفر النميري والفريق إبراهيم عبود وكنا إبان عهودهم نواجه إشكالات في الاقتصاد وفي التعليم وغير ذلك وكذلك الأحزاب كنا نواجه إبان عهودها نفس الإشكالات فالشباب الآن يبحثون ما بعد الأحزاب وما بعد الجيش للتوصل لصيغة يام خلالها إيجاد تصور حقيقي للوطن وتصور منطقي ومعقول فيجب منحهم هذه الفرصة ولنكمل معهم هذا المشروع وينبغي للقوات المسلحة أن تفهم هذا وتستوعبه وكذا الأحزاب مطلوب منها فهم هذا.

والسؤال كيف يمكننا أن نساعد الأحزاب في المشروع الوطني؟

والإجابة بسيطة هي أن تتحول الأحزاب من منظومة الأيديولوجيا والأفكار الجاهزة (المعلبة) المستوردة من الصين أو الهند مثلاً ومعها الكتب المترجمة إلى أن يكون لدينا مفكرون وطنيون لنتمكن من التحول من الآيديولوجيا إلى المعرفة. فهذا هو سؤال المشروع الوطني فلا بد من وجود معرفة وطنية لتأسيس مشروع سياسي وهذا المشروع غائب حتى اليوم فهو السطح الذي تتركز فيه جميع التصرفات والسلوك حيث تنعكس في الفضاء السياسي: التماسك الثقافي والاجتماعي فيجب أن نتفق جميعنا على رمز وطني سياسي وهو ما لم يحدث حتى اليوم لأنه لا يوجد حتى اليوم شخصية تحمل المشروع الوطني ليتم الاتفاق حولها ولم نتمكن من الاتفاق على مجموعة مفاهيم ولم نتمكن من الاتفاق حتى على مخلفات الإنجليز الذين تركوا لنا ثلاث مؤسسات حاكمة فالخريجون كانوا ينازعون في الحكم ومجلس الشمال كان ينازع في الحكم وكان هناك مجلس الجنوب ولا يوجد لدينا اليوم مجلس بديل واحد نطلق عليه مجلس البناء الوطني ولا يوجد لدينا رمز واحد نسميه الرمز الوطني وذلك لأن صيغة إيجاد الحلول ما بعد دولة الاستعمار أو تجاوز هذه الدولة وإشكالاتها التي خلفتها لم نفكر كسودانيين كيف نتخلص منها.

فالمشروع الوطني هو بداية تأسيس الفلسفة الوطنية والدخول في مرحلة بناء السودان بشكل مستقل بل ويمكننا مساعدة دول أخرى لديها إشكالات مشابهة لكنها لم تصل للذروة مثلما فعلنا نحن فهي لم تصل مرحلة الصراع بين الأحزاب والقوات المسلحة والصراع بين الشعب والقوات المسلحة فهناك دول شبيهة بما لدينا

خلاصة الحديث هو أن مخرجنا الوحيد أن ننتج فلسفتنا الوطنية  السودانية ومشروعنا الوطني. وشكراً



[1]  البروفيسور عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن مساعد رئيس جامعة المغتربين. يقع الكتاب في خمسة فصول ويناقش مميزات الشخصية السودانية عبر الحقب المختلفة والتغييرات التي طرأت على الشخصية السودانية والخصائص الإيجابية والسلبية ويقدم تحليلاً للشخصية السودانية بالتركيز على دور أنظمة الحكم. والكتاب محاولة لعلاج الفراغ الناتج عن التباعد عن الأوطان وتعزيز مكونات الهوية الثقافية وتعريف الأجيال التي نشأت وترعرعت من أبناء السودانيين بدول المهجر بالشخصية السودانية وصفاتها ومميزاتها عن شعوب العالم الأخرى.


التعليقات
  • لا توجد تعليقات على هذه المادة.
Info إضافة تعليق
الاسم بريدك الالكتروني: الموضوع: تعليق:
أدخل الرمز الظاهر أدناه: